Header logo
Author Image
بدر الدخيل
مدير عام للتطوير والتميز الرقمي في التأمينات الإجتماعية، مشترك في برنامج قادة 2030 يقود بدر فرق العمل في مجالات مختلفة. وحصل على بكالوريوس والماجستير في علوم الحاسب الآلي. ويتميز بشغف خاص بالتأثير في الأفراد والمؤسسات من خلال الحلول الرقمية وهو عضو في مجلس إدارة العديد من الشركات.
الفئات

كل انسان يعيش شغفاً يريد تحقيقه. وكل مرحلة في الحياة تأتي بنظرة مختلفة حسب النضج الفكري للشخص ونظرته للحياة. قد يكون شغف الشخص متصلاً بتحقيق نجاح في تجارة او تحصيل علمي أو مستوى متقدم في رياضة معينة أو غيره. بدايتي كانت شغفاً بالمعرفة. يبحث الشخص عن وسيلة ليشبع فيه ذاته من خلال شغفه وكنت أسعى لتقييم مستوى تحقيقي لشغفي. وأفضل وسيلة للتقييم هي القياس بالأرقام. فقد تعودنا منذ الصغر أن مقياس التحصيل العلمي هو الدرجات التي تحصل عليها في المدرسة وهنا كان التحدي في تحقيق درجات عالية حتى حصلت على درجة عالية في الثانوية تؤهلني لاختيار أي تخصص في أي جامعة. وهكذا تمكنت من التقديم على كل الجهات مثل جامعة الملك سعود وجامعة الملك فهد للبترول وبعثات من جهات مثل أرامكو والتأمينات الاجتماعية وتم قبولي فيها ولله الحمد.

ووقع اختياري على بعثة من التأمينات الاجتماعية لدراسة علوم الحاسب الآلي. واستمر شغف المعرفة في مجال عشقته واستمرت الدرجات مقياساً لنجاحي حتى حققت مرتبة الشرف في تلك الجامعة. بدأت بعدها رحلتي المهنية وبنفس شغف المعرفة توسعت معارفي لتشمل مجالات عديدة مثل أمن المعلومات والشبكات وأنظمة التشغيل مع أن وظيفتي كانت منحصرة بالبرمجة. وعندما أنجزت أول مشروع مهني لي، وهو الربط بين التأمينات والشركة العملاقة أرامكو رأيت أثر عملي في تقليل التكاليف التشغيلية وزيادة مستوى الرضا للعميل وتحقيق التأمين الاجتماعي بدقة وفي وقته للمشتركين. وهنا تحولت النظرة من شغف المعرفة إلى شغف التأثير. المعرفة -سواء في لغات البرمجة أو مختلف التقنيات المتقدمة أو غيرها- هي فقط وسيلة وليست غاية. وهنا بدأت البحث عن المبادرات ذات الأثر الكبير حتى شاركت في بناء وتطوير العديد من الخدمات المختلفة كمبرمج. 

ومن العمل مع الفريق والتأثر بهم والتأثير عليهم أتت الفرصة لتحدٍ جديد، وكان التحدي مهمة قيادية. وهنا ظهر شغف التأثير ليحدد القرار. شغلني التفكير في عدد المنتجات التي أستطيع تطويرها بيدي ليؤثر على كم شخص؟ كان العدد محدوداً بيدي وعقلي فقط. كنت أتساءل عن كيفية التأثير على مستوى أكبر من يدين وأكثر من عقل. وهنا بدأت رحلتي في القيادة لتعظيم الأثر عبر العقول وعبر وسيلة قوية لا حدود لها وهي تقنية المعلومات. وتضاعف الأثر باستقطاب أفضل العقول الشغوفة، ومن ثم رسم الهدف الذي يجمع تلك العقول وتمكينها بتغذية الثقة وفتح أفق التأثير وبعدها تأمل الإنجازات والابداعات التي تحققها تلك العقول. هنا كان التأثير الذي تم إنجازه هو تحويل أكثر من %98 من العمليات بشكل الكتروني وبشكل مبكر إذ تم ذلك في عام 2005. بل أن الأثر وصل إلى توصيل الحقوق لأهلها بشكل استباقي قبل أن يطلبها عميلنا من وريث أو أرملة أو عاطل عن عمل أو غيرهم. وهنا كان السؤال الذي يفرض نفسه: كيف أستطيع قياس ذلك الأثر لأعرف حدوده؟ 

يختلف قياس الأثر عن قياس التحصيل العلمي الذي تحدثت عنه في البداية بسبب تعدد أبعاد مقاييس الأثر. وتتضمن تلك الأبعاد عدد الأشخاص الذين تؤثر عليهم، ومدى طول الأثر بالإضافة لمدى عمق الأثر إذا مس حاجة كبيرة للشخص. وفي معظم الوقت يعمل كل شخص على مبادرات ضمن نطاق عمل الجهة التي يعمل بها وعادة ما ينحصر الأثر في هذا النطاق.

ولذلك من المهم أن نوضح أن مفهوم ريادة الأعمال لا يقتصر على العمل التجاري في القطاع الخاص كما يعتقد الكثيرون. ولكن من الممكن أن تتحقق ريادة الاعمال في العمل الحكومي من خلال تقديم حلول إبداعية للوصول لأهداف تنموية تخدم مجتمعنا بشكل غير تقليدي بالنسبة لجهة حكومية. وأحد الأمثلة على تعظيم الأثر بتجاوز حدود مسؤوليات العمل الحكومي، اطلاق خدمة بأسلوب غير تقليدي للمنشآت الصغيرة بحل سحابي لتحويل الرواتب وإدارة الرأس المال البشري، وكذلك تحقق الأهداف الحكومية بحماية حقوق العاملين بالقطاع الخاص وحفظ حقوقهم التأمينية عبر مبادرة "مدد". 

إذاً ما هي مجالات الأثر وماهي أولوياته وكيف تتكامل فيما بينها؟ توضح لنا رؤية السعوديين، رؤية 2030. كيف يكون لي أنا كسعودي أثر أعظم على مستوى وطني بالمشاركة في هذه الرؤية؟ ومن خلال الرؤية وصلت إلى محطة أخرى من تعظيم الأثر بالتعرف على برنامج قادة 2030 بتنظيم من مؤسسة تحمل اسم ملهمنا لهذه الرؤية "مسك". ويرسخ البرنامج تعظيم الأثر وتعزيز القيم التي يتحلى بها المشارك في تحقيق رؤية 2030. ويعد البرنامج المواطن لتحمل المسؤولية، ولا سيما المسؤولية التي تتجاوز المؤسسة التي يعمل بها أو المنطقة التي يسكن بها وإنما المسؤولية تجاه الوطن بمفهومه الشامل. كل فكرة تخطر ببالك أو عمل تقوم به تتلمس به فرص التأثير على كل وطنك. وتتخطى الرؤية الشمولية كل الحدود وتتجاوز اليوم والغد إلى سنوات تستشرف فيها 2030. كيف تكون قائد ملهماً تقرب صورة المستقبل لمن حولك ليروه اليوم وترسم استراتيجية تغذي فيها الشغف، وتفجر فيها الإبداع لتجعل المستحيل غداً ممكناً اليوم.

 

يأخذ برنامج قادة 2030 مجموعة من القادة المتميزين إلى رحلة تعلم وتطوير لتحقيق الأثر على مستوى أعلى، مستوى يليق بطموحات هذ الوطن. برنامج قادة 2030 لا يسعى لغرس قيم 2030 فقط، وانما يمنحنا أدوات علمية لقراءة التطورات وآخر ما وصل له العالم والاستشراف ومن ثم تقييم فرص الأثر واقتناص بعضها وصولاً لخطوات تحويل الفرصة من حلم إلى حقيقة. وهو أمر لا يتحقق بدون الأدوات التي تعزز المرونة الفكرية وتطبيق طرق العمل المختلفة بما يتناسب مع كل موقف حسب المتغيرات المحيطة بحيث يكون التكيف مع التغيير وتعديل السلوك بناء على المعطيات الجديدة. ومن خلال الوحدات التي تقدم شخصياً في الرياض، تجد نفسك محاطاً بعقول فذة تكتسب منها الخبرات في جميع جوانب العمل. المشروع النهائي فهو فرصة عملية للتعمق في دراسة حالة يكلل مجهودك فيها بتحول أفكارك إلى مقترحات تصل لصناع القرار. ومن خلال التدريب الشخصي تحصل على فرصة التعرف على نفسك أكثر وكيفية تعظيم تأثيرك والاستفادة القصوى من قدراتك.

 

لا يمكن تعظيم الأثر بدون تحفيز العقول لصنع ذلك الأثر، ولن تستطيع قيادة تلك العقول حتى تبدأ بنفسك وتتعرف على أعماقها..  رحلتي بدأتها مع شغف التأثير بالتركيز على العلم. ثم ارتكزت على الغاية وهي غرس الأثر. رؤيتنا تلهمنا لصنع أثر كبير، وما قدمته من أثر هو أقل من قطرة في محيط رؤيتنا التي تشحذ هممنا لنصنع المعجزات وأتمنى الوصول للنمو المتسارع الأسي
(exponential growth) يكون فيها أثري وجميع المواطنين قريباً أضعاف ما نتمناه وما حققناه بإذن الله.