Header logo

أثبت الإنسان منذ القدم بأن لديه القدرة على التكيّف مع مختلف متطلباته في كل مرحلة يعيشها، وإكساب ذاته إمكانيات مختلفة يلبّي بها احتياجاته المتنوعة. فمن تعلُّمِهِ الصيد بتوظيفه أدوات بدائية متوفرة في محيطه، مثل الأحجار والأشجار في العصور القديمة، إلى تعلُّمِهِ طرقًا في غاية التعقيد والصعوبة لتغيير أصغر مكوّنات المادة وتحويلها إلى آلات ضخمة تقوم بخدمته. وباستقراء تاريخ التحول الحضاري للإنسان، وما حقّقه من قدرات نتجت عن معرفة متراكمة عبر العصور غيّرَ بها الماضي ووصل بها إلى العصر الحاضر واضعًا نفسه على أعتاب مرحلة حضارية جديدة؛ فإنَّ كثيرًا من النّاس ينتابهم التساؤل والفضول لمعرفة طبيعة المهارات التي يحتاجها الإنسان لمواكبة المستقبل وتحدياته وما يشمله ذلك المستقبل من تغيّرات تطرأ على نمط حياة الإنسان. وعلى الرغم أن كثيرين يعتقدون أنّ مهارات المستقبل ستقتصر على المهارات التقنيّة الحديثة فقط، إلا أنه من وجهة نظري بقدر حاجتنا الملحّة إلى بذل المزيد من الجهد في سبيل التطوير التقني، فإنّنا سنحتاج كذلك لمهارات أخرى غير تقنيّة مثل المهارات اللغوية ومهارتي التعلّم والتطوّع.

يعيش في هذا العالم قرابة ثمانية مليار إنسان، يتشكّلون من مختلف الأعراق والشعوب والجنسيات والأديان والثقافات والطبقات الاجتماعية والاقتصادية، ويتوزّعون جغرافياً في مختلف أنحاء الكرة الأرضية من قطبها الشمالي إلى قطبها الجنوبي. ومع اختلافهم في هيئاتهم ومعتقداتهم وثقافاتهم إلا أنهم يتّفقون في طرق التواصل بينهم. وبحسب ما هو مذكور في موقع بي بي سي الإخباري يوجد هنالك قرابة سبعة آلاف لغة مختلفة. وعلى الرغم من اقتصار المنظمات الدولية على الاعتراف بعدد محدود من اللغات كما هو معمول به في منظمة الأمم المتحدة واتخاذها ست لغات فقط كلغات رسمية تُستخدم في المعاملات والوثائق وهي: اللغة العربية والصينية والإنكليزية والفرنسية والروسية والإسبانية. إلّا أن الاهتمام بكل لغة فردية لاقى تقديرًا عالميًا ممثّلًا بمنظمة اليونسكو التي خصّصت يوم الواحد والعشرين من شهر فبراير من كل سنة للاحتفال باللغة الأم. ومع العولمة وما أحدثته تقنيات الاتصالات التي كسرت الحدود الجغرافية وسهّلت التواصل الفوري بين الأفراد والمؤسسات؛ فيُعتبر اختلاف اللغة من أهم العوامل التي تمنع التواصل بشكل أكثر فعالية بين العديد من سكان المعمورة. ومن هنا تأتي الحاجة الماسّة لتعلم العديد من اللغات كمهارة مستقبلية، خاصًة مع التطور السريع في وسائل التقنيّة والاتصالات. كما أن تعدد اللغات قد يساعد على تعزيز الاندماج بين المجتمعات والتنمية المستدامة. لذلك تتسابق الحكومات في تعليم طلابها لغاتٍ عدّة بإضافتها كمقرّرات في برامجها التعليمية. فمثلا قامت وزارة التعليم في كلٍّ من المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة بإدراج اللغة الصينية كمادة دراسية في المناهج التعليميّة.

وتأتي مهارة التعلّم كضرورة أساسية في كل عصر، ولكن يتزايد الطلب على هذه المهارة مع مرور الزمن ويعود هذا لعدة عوامل. من أهم تلك العوامل، أنه مع تزايد عدد سكان العالم وتباين المستوى التعليمي بين الأفراد، تأتي الحاجة لنشر المعرفة عن طريق التعلّم.

حيث يوجد في عالمنا أكثر من ١٧٥ مليون طفل في عدد كبير من البلدان المختلفة حول العالم بلا تعليم؛ لأسباب متعددة وفق تقرير منظمة اليونيسيف، والذي أشار إلى انعكاسات التعليم على الأطفال ومساهمتهم بخدمة المجتمع. السبب الآخر أنه على الرغم من حاجة الإنسان للتعامل مع أكثر الأنظمة التقنيّة تطوراً لتحسين جودة حياته، فإنّه غير قادر على التعامل مع تلك الأنظمة مهما بلغت إمكانياته من دون أن يبدأ بتعلمها. فعلى سبيل المثال يُعتبر الذكاء الاصطناعي أحد أكثر المجالات التقنيّة طلبًا في المستقبل لشموله العديد من القطاعات وأتمتتها، لكن لا يمكن إدارة تلك التقنيّة بسبب تعقيدها بدون عملية تعليمية احترافية، ولذلك ستزداد حتمية الحاجة لمهارة التعلّم بالمستقبل.

تتجه كثيرٌ من الدول والمنظّمات الدولية لتعزيز المهارات التطوّعية كدورٍ هامٍّ في خدمة الإنسانية وترسيخ بذل الخير وحب العطاء. حيث أطلقت الكثير من الحكومات والجمعيات منصّاتٍ وفرصًا تطوعية، وتخطّطُ بعض الحكومات للقيام بإشراك المتطوّعين في أنشطتها وزيادة أعدادهم. فعلى سبيل المثال تُولِي حكومةُ المملكة العربية السعودية في رؤيتها الاقتصادية التطوّع عنايةً كبيرةً لما له من فوائد عظيمة في تحقيق مبدأ التكافل الاجتماعي واللحمة بين الفرد والمجتمع، حيث تطمح إلى زيادة عدد المتطوّعين ليصلوا إلى مليون متطوّع بحلول سنة ٢٠٣٠. 

ختامًا، كما تأقلم الإنسان في ماضيه مع بيئـــته فلن يكون من الصعب عليه ابتكار وسائل يواكب بها مستقبله. ومع أنَّ بعضنا قد يظنُّ بأن التطورات والتغيرات التي ستحدث في المستقبل سوف تُكسب الإنسان قدراتٍ تقنيّةً فقط، فإنّي أرى أن الإنسان سيجد نفسه مدفوعاً لتعلم مهارات أخرى غير تقنيّة؛ للتفاعل مع القضايا العالمية أو لحاجته لممارسة مهارات التعلّم لزيادة الرغبة بالتعليم، ولنقل العلم والمعرفة رفعًا لكفاءة الحياة وتحسين مستوى المعيشة.

الفئات