Header logo

 

لطالما كانت الفنون بكل أنواعها مرآة الشعوب والانعكاس الحسي لثقافتها وموروثها، وبالفنون خُلّدت أخبار الأمم والحضارات، ومن تلك الفنون فن العمارة والتشييد، فتلك أعمدة الأكروبوليس الشامخة فوق أثينا شاهدة على فلسفة اليونانيين ونظرتهم للمرأة التي تحمل الأعباء، وفي آثار مصر نجد أن من شيّدوا المعابد المهولة والأضرحة الضخمة، لم يهتموا ببناء القصور والمساكن الدنيوية، فالفلسفة والثقافة الفرعونية تُولِي الحياة الآخرة كل اهتمامها وفق معتقداتهم، بينما تجلّى تأثير الثقافة الإسلامية في عمارة المساجد، فاستطالت أضلاعها المتعامدة على القبلة؛ ليُدرك أكبر عدد من المصلين أجر الصف الأول، واستُبدلت الزخارف الآدمية والحيوانية فيها بالورقيات والآرابيسك.

لكن في عصرنا الحالي أصبح مفهوم الفن أكثر شمولاً ابتداءً من الفن السابع، مرورًا بالسينما، وصولاً للأعمال الفنية ذات البعد الاستثماري البحت، كالمسلسلات القائمة على نسب وأعداد المشاهدات والتي تتوقف أو تستمر حسب نتائجها.

وإذا سلّمنا أنه عبر التاريخ كانت الفنون انعكاساً وترجمةً للثقافة؛ فإنه من الصعب جداً إطلاق هكذا توصيف للعلاقة بينهما في عصرنا الحالي.

وهنا لا نتحدث عن الصواب والخطأ، بل عن مدى قدرة الفن في إعادة صياغة الثقافة وتحرير الراسخ منها من قيود التسليم المطلق؛ لتكون أكثر مرونة وتكيّفًا مع موجات ومتطلبات العصر السياسية والاقتصادية والاجتماعية سريعة التطور.

يعتبر المخرج السوفيتي سيرجي آيزنشتاين أول من وظف الأعمال السينمائية للدعاية للثورة والتسويق للشيوعية، وهو الأمر الذي استغله لينين فيما بعد؛ لاستقطاب الأمّيين من الشعب حتى بات الإيمان بالفكرة الشيوعية سمة أساسية للمجتمع الروسي الذي خرج من النقيض تمامًا من تحت ظل سيطرة القيصر لتوه.

 

وهنا أقتبس من مقالة للأستاذ عبد المحسن المطيري "من خلال تحليل مونتاج المقطع الشهير الخطوات أوديسا في فيلمه (المدمرة بوتمكين) ندرك أننا لسنا مجرد متفرجين، بل نحن متفاعلون مع المشاهد، بمعنى أن آيزنشتاين صنع لقطاته للتأثير المباشر على ذهنية وسيكولوجية المشاهد من أجل كسب تعاطفه التام مع الثورة الروسية".

مع ذلك إذا تأملنا  نظرية الغرس الثقافي -  Cultivation theory  التي ظهرت عقب أحداث العنف والاضطرابات نهاية فترة الستينات بالولايات المتحدة من خلال الدعائم الأساسية للنظرية التي وضعها جورج جربنر (مؤسس نظرية الغرس الثقافي)، والتي تعتبر أن "التليفزيون يقدم عالمًا متماثلًا من الرسائل والصور الذهنية تعبر عن الاتجاه السائد"؛ نجد أنها تعتبر الغرس عملية ثقافية تخلق مفاهيم عامة وموحدة نتيجة لعوامل زمانية ومكانية محددة بعيدة عن أي تنوع طبيعي في الأفكار المتباينة الأكثر انعزالاً، وغير مرتبطة بالحقائق دومًا.

وبلا شك تعتبر تلك العملية إحدى الطرق المستخدمة لإعادة صياغة التصور والثقافة العامة لأي مجتمع؛ ففي الصين ظهرت مؤخرًا الكثير من الأعمال الموجهة للأطفال كدعاية رسمية تقدم الماركسية تارة ومعتقدات الرئيس الشيوعية تارةً أخرى حتى لو كان الواقع الثقافي والاقتصادي مختلفًا وهو الذي يعتمد على الرأسمالية، وكما قال الكاتب والصحفي اللبناني إلياس حرفوش في مقاله "شيوعية في الصين من دون شيوعيين" مبينًا التباين الشديد بين الدعاية التي تنتهجها الصين وواقعها الأكثر انفتاحًا على العالم من خلال بوابة الاقتصاد.

ففي محيطنا العربي سنجد كيف تأثرت الثقافة العربية على سبيل المثال بالأعمال الفنية، حيث تغير التعاطي مع الوقت خلال شهر رمضان بصورة جلية لمواءمة أكبر قدر من الأعمال المعروضة بعد أن كانت قبل بضعة عقود تُطوَّع هذه الأعمال لتتلاءم مع أوقات العبادات وتُراعى الثقافة المحلية، فتُعرض الأعمال التاريخية والمسابقات الدينية فقط.

بيد أنه ليس من المنصف تناول التأثير العكسي للفنون على الثقافة فقط من خلال السلبيات وكأنَّ الأمرَ مجردُ استثمارٍ مادي نَهِم لا يكترث بالحفاظ على الموروث الثقافي وقيم المجتمعات.

فإذا عدنا للوراء قليلًا وإلى فترة نهاية السبعينات الميلادية تحديدًا، سنجد أحد الأمثلة الإيجابية الأكثر تأثيرًا في الإنتاج الفني المرئي العربي، ألا وهي مؤسسة الإنتاج البرامجي المشترك لدول الخليج العربية، إذ يعتبرها الكثيرون قد قدمت الكثير للمجال الثقافي بالخليج من خلال برامجها وإنتاجها الذي عكس الطفرة الاقتصادية بالمنطقة، وواكب متطلبات وضرورة النهوض بالعمل الفني الهادف والفاعل الذي يعزز اتجاهات الثقافة السائدة وينمّيها دون صدام معها.

يقول المفكر عبد الوهاب المسيري: "المعرفة الإنسانية معرفة مقارنة، فنحن لا نعرف الشيء في حد ذاته، بل نعرفه في علاقته بشيء يشبهه وآخر يختلف عليه".

كذلك يعتبر كثيرون أن تأثير المسرح ساهم في نشر الأخلاق والتعاليم الدينية فيما مضى (أعمال شكسبير أنموذجًا)، ويمكن فهم العلاقة بين الثقافة بكل ما تحمله من معانٍ والفنون بكل أشكالها وصورها، من خلال التأمل في تأثير كل منهما على الآخر ومدى مقدرتهما على تغيير مسار حياة المجتمع.

وعليه، فلا توجد إجابة محددة بالمطلق من يصنع الآخر؟ الثقافة تصنع الفنون؟ أم الفنون تصنع الثقافة؟ بل الثابت أن الثقافة والفنون متلازمان، وهذا أمرٌ يقودنا للسؤال الأهم كيف نستطيع توظيف هذه العلاقة الفريدة في النهوض بالثقافة والفنون وتعزيزهما؟

الثابت أن الثقافة والفنون متلازمتان فيما بينهما وملازمتين لنا في حياتنا، وفي مراحل طفولتنا المبكرة وفي ريعان شبابنا المليء بالتساؤلات والتحديات، ولسنا عنها ببعيدين في كبرنا بل قد تكون أكثر أهمية من أي وقت مضى، فبالأغنيات الجميلة نستذكر أيامنا الخوالي وبثقافة مشبعة بالتجارب العميقة ننقل خبراتنا للأجيال القادمة لتكون أكثر تمكنًا وقدرة على صناعة ثقافتها وفنونها.

يمكن فهم العلاقة بين الثقافة بكل ما تحمله من معانٍ والفنون بكل أشكالها وصورها من خلال التأمل في تأثير كل منهما على الآخر ومدى قدرتهما على تغيير مسار حياة المجتمع.

لدينا ثقافة عظيمة قوية وثرية جدًا بتنوعها وأصالتها وفي المقابل لدينا قدرات فنية ضخمة وجبارة، فأعتقد أنه في ظل التغيرات المتسارعة والدعم الرسمي غير المحدود للثقافة والفنون؛ أنّنا بحاجة ماسّة لفهم طبيعة هذه العلاقة حتى نستطيع توجيه الثقافة والفنون للاتجاه الذي يدعم تطلعاتنا ويُظهر أجمل ما فينا ويُسهم في معالجات التحديات.

لو تأمّلنا تلك الفترة التي نجحت فيها مؤسسة الإنتاج البرامجي المشترك لدول الخليج العربي لوجدنا أنَّ المجتمع الخليجي حينها كان يعتبر القبيلة هي الركيزة الأساس له، كما أنه كان مجتمعًا متنوعًا ثقافيًّا وفكريًّا، لكن المؤسسة استطاعت أن تخاطِبَ كلَّ فردٍ خليجي وتقدم له المحتوى الفني الملائم الذي لم يتصادم مع حالة الاختلافات والتنوّعات في الخليج حينها، بل بالعكس أنتجت مادة فنية وإعلامية قابلة للاستمرار والتجدد لأنها ركزت على المعرفة بدرجة كبيرة وعزّزت القواسم المشتركة بين أبناء الخليج.

وإذا نظرنا لتنوع الأدوات الفنية إن صحَّ التعبير؛ فسنجد أنها أكثر انتشارًا وأسهل استخدامًا، فاليوم يستطيع أي مغنٍّ الوصول للشهرة بسرعة، وقد لا يُعدُّ إنتاج فيلمٍ أو مسلسلٍ بالأمر الصعب. وبناء عليه يمكن لأي أحد أن يُسهم في صناعة المحتوى الفني بسهولة، ومع هذه الميزة لعصرنا الحالي؛ فقد تكون الثقافة المحلية لأي مجتمع أكثر عرضة للتأثر بالفنون عمومًا.

 

 

 

 

الفئات