Header logo

للقيادة الفعّالة مفاهيم متعدّدة يختلف عليها القادة، ويتحدث كثيرون عن القيادة بالإشارة إلى كبار المدراء التنفيذيين في الشركة. ولكن بالنظر للقيادة الفعّالة بمفهومها المتكامل، فالقيادة لا تحدُثُ تلقائيًا عندما نصل إلى رواتب معينة أو منصب محدّد. في الواقع، يمكنك أن تكون قائدًا في العمل والمجتمع دون أن تشغل أي منصب.

في هذا المقال سأتحدث عن تعريف القيادة الفعّالة بمفهومها المتكامل في الشركات وأهمية موازنة القائد بين الغاية، والثقافة، والاستراتيجية لمساعدة الشركة في زيادة إنتاجيّتها والارتقاء بجهود الموظفين لتحقيق أهدافهم.

 

من خلال تجربتي الشخصية في العمل مع بعض الشركات المحلية والعالمية؛ وجدت أنّ أفضل تعريف للقيادة بمفهومها المتكامل كما وصفه كيفن كروس في مقالته في مجلة فوربس، إذ يقول: "القيادة هي عملية التأثير الاجتماعي التي توجه جهود الآخرين نحو تحقيق الهدف". 2 بالنظر إلى هذا التعريف يتضح لنا أنّ القيادة تنبع من التأثير الاجتماعي، وليس السلطة أو القوة، كما يتبين لنا أن القيادة تتطلب الدعم من الآخرين من خلال جهودهم، وهذا يعني أنَّ الآخرين ليسوا بحاجة إلى أن يكونوا موظفين يرتبطون بالقائد بصفةٍ مباشرة.

 

بالإضافة إلى ذلك، فإنَّ التعريف لم يتطرّق إلى سمات القائد الشخصيّة أو صفاته، فضلًا عن منصبه، وإنّما أشار إلى تحقيق هدفٍ وأثرٍ ذي أهمية للجميع. وعليه؛ فالقيادة الفعّالة لها أهمية بالغة على أداء الشركة والموظفين بحد سواء، ويظهر ذلك بالنظر لنتائج دراسةٍ قامت بها شركة ديلويت للاستشارات الإدارية التي أكّدت على وجود ارتفاع قد يصل إلى 15% في قيمة الأسهم للشركات ذات القيادة الفعّالة3.

 

عند التأمّل في الكثير من الشركات، نجد تركيز القيادة على الأشياء الملموسة مثل الاستراتيجية والعوائد المادية، مع وضع آلية لقياسها عن طريق مؤشرات قياس الأداء دون الاهتمام بمفهوم القيادة المتكاملة. ولتحقيق مفهوم القيادة المتكاملة؛ فإنَّ دور القادة يتلخّص في العناية بثلاثة عناصر رئيسة: الغاية، الثقافة، والاستراتيجية، مع ضرورة المواءمة بين هذه العناصر. 

 

قبل البدء في الحديث عن مفهوم القيادة بشكلها المتكامل، ينبغي أنْ نجلّي بعض المفاهيم؛ فنحن عندما نتكلّم عن الغاية، نريد بذلك السبب الذي تعمل من أجله المنظّمة أو المؤسّسة، فهي الأساس الذي تُبنى عليه الرؤية والرسالة والقيم، وهي الإجابة الحقيقيّة والموجزة على سؤال: ما هو هدف الشركة من الوجود والأثر الذي تريد تركه في العالم؟

 

أمّا الثقافة، فهي تحدّدُ آليةَ إنجازِ العمل داخل المنظّمة، وهي السمات والسلوكيات التي نُشجّعها وتجيب على سؤال: كيف يعمل الموظفون سويًّا ويتعاملون فيما بينهم لتحقيق الغاية؟

أخيرًا تأتي الاستراتيجية وهي التي تحدد أهداف ومؤشرات الأداء الرئيسة وكيف يمكن للشركة تحقيقها، وتجيب على سؤال: ماذا يجب على الشركة فعله لتحقيق النجاح؟

تعد الاستراتيجية من الركائز الأساسية التي يستخدمها كبار القادة في سعيهم الدؤوب للحفاظ على الجدوى والفاعلية التنظيمية، إذ تقدم منطقًا مشتركًا لأهداف الشركة ينظّم الأشخاص من حولها ويوجّههم، وتوفّر الاستراتيجية الوضوح والتركيز للعمل الجماعي واتخاذ القرار، فهي تعتمد على خطط ومجموعة من الخيارات لتوزيع الأشخاص بطريقة فعالة.

 

وفي كثير من الأحيان، يكون التشجيع على تنفيذ الاستراتيجية بمكافآت ملموسة لتحقيق الأهداف والترهيب من خلال العواقب في حال الفشل. لسهولة استيعاب الاستراتيجية وفهمها، نجد الكثير من القادة يركّزون عليها ويتجاهلون الثقافة لاعتبارها بعيدة وصعبة المنال؛ ولأنها تُبنى على السلوكيات، والعقليات، والأنماط الاجتماعية غير المعلنة أو الملموسة.

 

أما الثقافة في الشركات فهي تُعبّر عن الأهداف وآلية العمل من خلال القيم والمعتقدات وقواعد المجموعة، ذلك أنّ بناء الثقافة وتعزيزها مفتاحٌ لنموِّ واستدامة أيِّ منظمة على المدى البعيد، فالثقافة الصحيّة بإمكانها إطلاق كميات هائلة من الطاقة وتوجيهها نحو هدف مشترك لتعزيز قدرة الشركة والموظفين على النمو والازدهار؛ هذه الفوائد تكمن في استقطاب الثقافة السليمة للمواهب ومحافظتها عليهم. من السهل جدًا استقطاب المواهب النافعة عبر دفع الرواتب العالية وتقديم المزايا الوظيفية، لكن الثقافة هي من سيحافظ على هذه المواهب داخل الشركة. الثقافة تُحوّلنا إلى فريقٍ وتجعلنا متفقين على "الغاية" من وجودنا و"الأثر" الذي نعمل على تحقيقه، فالثقافة تحدد كيف يتصرف الأشخاص ويعملون معًا. بالإضافة إلى ذلك، تؤثّر الثقافة على أداء الموظف في الشركة ورفاهيته من خلال تشجيع الإبداع ونشر السعادة في مكان العمل مما يؤدي بدوره إلى زيادة الإنتاجية. ومع ذلك كله، لا يمكن للاستراتيجية والثقافة فقط تحقيق الأهداف بشكل فعال بدون وضوح للغاية التي تقوم عليها هذه العناصر كلها.

 

الغاية هي حجر الأساس الذي تُبنى عليه جميع العناصر الرئيسة التي يحتاجها القائد لتحقيق أهداف الشركة. لسوء الحظ، من الشائع بالنسبة للقادة الذين يسعون إلى بناء مؤسسات عالية الأداء أن يُربكهم موضوع الغاية.

وفي الواقع، نجد أنّ أغلب الشركات حديثة الإنشاء لديها غاية واضحة، لكن تكمن المشكلة عند نمو هذه الشركات، حيث نلاحظ تجاهلها للغاية الأصلية وتركيزهم على تحقيق العوائد المادية ومؤشرات الأداء الرئيسة.

إنَّ تجاهل أو إهمال الغاية له آثار سليبة كفيلة بتدمير الشركة وإنجازاتها على المدى البعيد، فالغاية تلمس عواطف ومشاعر الموظفين، وتُسخّر هذه العواطف فتصبح قوّةً دافعةً للسلوك البشري، أكثر من الحسابات والمحفزات المنطقية والمادية.

 

على سبيل المثال، ومن وجهة نظري الشخصية، فإنَّ سر نجاح رؤية المملكة 2030 بقيادة سمو سيدي ولي العهد الأمير محمد بن سلمان –حفظه الله– راجعٌ لكونه استطاع أن يُترجم غاية الشعب لتحقيق مستقبل أفضل لهذا الوطن العظيم، فوضوح هذه الرؤية والغاية كان له الأثر الكبير في توحيد جهود الشعب ككل للسعي لتحقيق هذه الغاية الطموحة.

وحين ننظر في تفاصيل رؤية المملكة 2030، نجد وضوح وترابط جميع العناصر الرئيسة للقيادة الفعّالة؛ فعند إطلاق الرؤية (الغاية)، أُعلِنَ عن 11 برنامج لتحقيق الرؤية (الاستراتيجية) ونقلها إلى واقع. ولكل برنامج من برامج الرؤية، عُرِّفت الرسالة والقيم والأهداف وآلية العمل والتعاون بين هذه البرامج ككل (الثقافة).

إنَّ تطبيق القيادة بمفهومها المتكامل كان سببا أوّليًّا في عملية التأثير الاجتماعي، ودفع جهود المواطنين لتحقيق الهدف وصولًا لنجاح رؤية المملكة 2030.

ختامًا، تعرّفنا في هذا المقال على القيادة بمفهومها المتكامل في الشركات وأهمية موازنة القائد بين غاية الشركة، وثقافتها، واستراتيجيتها لمساعدة الشركة في دفع جهود الموظفين لتحقيق أهدافهم، والوصول إلى القيادة الفعّالة وجني ثمارها. القادة بحاجة للتواصل مع الجانب العاطفي مع الموظفين، وخلق شعور مشترك إيجابي بينهم، وتوجيه الطاقات للوصول لأهداف الشركة بامتلاك استراتيجية واضحة.

 

الفئات

إضاءات أخرى ذات الصلة

logo
تفاصيل رؤية 2030

قيل أن الرؤية أساس كل شيء. لذلك تعد رؤية 2030 المخطط التنفيذي الجريء الذي (...)

logo
كيف غيرت رؤية المملكة 2030 الأرضَ الفنية (...)

هذا المقال كتب بقلم أحد المتميزين الفائزين في برنامج صوت الشباب. صوت الشباب (...)

logo
توظيف الثقافات المُختلفة والمنفعة المُتبادلة

هذا المقال كتب بقلم أحد المتميزين الفائزين في برنامج صوت الشباب. صوت الشباب (...)