تمثّل الموارد البشريّة في المؤسّسات موردًا من أهمِّ مواردها وأصلًا من أهمِّ أصولها التي تمتلكها، فبدونها لا يمكن تحقيق أهدافها، مما أوجب الاهتمام بالمورد البشري وتمكينه وتنمية مهاراته ومعارفه وتطويره وإكسابه مهاراتٍ جديدة تتناسب مع متطلّبات وظيفته، وهنا يبرز دور القيادة وأهميّة إعداد الشباب لقيادة المستقبّل في مختلف مجالات العمل، وفي إثراء الفكر الإنساني وتطويره، ويُستخدم في تحقيق ذلك آخر ما توصّل إليه الإبداع الإنساني من أساليب وتقنيات، ويظهر ذلك في جهود المملكة العربيّة السعوديّة في تمكين الشباب انطلاقًا من رؤية المملكة 2030 ورهانها المستمر على الشباب السعودي الواعد باعتبارهم من أهم وأكبر الفئات الأساسيّة في المجتمع، حيث تبلغ نسبة الشباب السعودي للفئة العُمْريّة (15-34 سنة) 36.7% من إجمالي السكّان السعوديين، وفي سعيها لتحقيق رؤية المملكة 2030 أطلقت الدولة الكثير من البرامج والمشاريع لتمكين الشباب ضمن برامج ومشاريع ومبادرات التحوّل الوطني، بهدف زيادة مشاركة الشباب اجتماعيًا وفي سوق العمل، ونستلهم من ذلك برنامج "تنمية القدرات البشريّة" الذي أطلقه سمو سيّدي وليّ العهد محمد بن سلمان بن عبد العزيز آل سعود الذي نرى فيه روح العصر واستشراف المستقبّل، المستند على المعرفة الإنسانيّة والتقدّم العلمي والتقني في تأهيل وإعداد كوادر بشريّة في مختلف مجالات المعرفة، وذلك من خلال طرح برامج مبتكرة حديثة بعيدة عن التقليديّة من أجل الارتقاء بالقدرات الإنتاجيّة والتنافسيّة للمؤسّسات وبالتالي رفعة المواطن السعودي بين الأمم.
إن التغيّرات المستمرة التي تواجهها المؤسّسات المعاصرة أجبرتها على القيام بتحوّلاتٍ جوهريّةٍ لتضمن لنفسها النجاح ولتحقيق التطوّر والنمو، ولقد كشفت الكثير من الدراسات في مجال العلوم الإداريّة أنَّ القيادة من أبرز العوامل المؤثّرة في تمكين الشباب، لذلك تصبح الحاجة ملحّة لتشجيع العمل الإبداعي من خلال تهيئة المناخ التنظيمي المناسب، وتلمّس المشكلات أو العوامل التي تحُول دون تحقيق ذلك، ومن ثمّ البحث عن الحلول التي يمكن بواسطتها التغلّب على تلك العوامل أو على الأقل التخفيف من آثارها.
إنَّ تمكين القيادات الشابّة عمليّةٌ مخطّطة تهدف إلى استخدام الموارد البشريّة والماديّة بأفضل صورةٍ مُمكنةٍ تعزّز قيم العزيمة والمثابرة لديهم، وبطريقةٍ عمليّةٍ تستهدف تلبية احتياجات كلٍّ من المؤسّسات والعاملين فيها وفق برنامجٍ تنمويّ لجميع القوى العاملة تقوم بدراسته الإدارات العليا بشكلٍ يحقّق حاجاتها المستقبّليّة من الوظائف وحاجات القادة الأفراد للتدرّج في السُّلَّمِ الوظيفي.
ويعتبر التمكين محور عمليّة اتخاذ القرار، وهو يعني السماح لقادة فرق العمل والأفراد في العمل أن يكونوا مسؤولين عن قرارات عملهم، وتجاوز الأهداف الشخصيّة وأهداف المؤسّسة إلى حالة الرؤية المشتركة للمؤسّسة، حيث يمكّن القادةَ الذين يقومون بأداء المهامِّ من اتخاذ القرارات الخاصّة بأعمالهم وتكون الرقابة غير ضروريّةٍ؛ لأنَّ القادة سيُديرون أنفسهم بأنفسهم.
ويحصل ذلك بسبب جُملةٍ من الدوافع التي تحثُّ المؤسّسات على تبنّي تمكين القادة ويُعدُّ التمكين خطوةً حاسمةً في تحقيق العدالة التنظيميّة، وأن يكون التمكين فعليًّا لا شكليًّا على أسسٍ موضوعيّةٍ ذاتِ شفافيّةٍ عالية بعيدًا عن التحيّزات، ممّا يعني عدم التمييز بين العاملين لأيِّ سببٍ كان؛ والاعتقاد بأنَّ كلَّ فردٍ في المؤسّسة وفرق العمل قادرٌ على المساهمة من خلال تطوير عمله والإبداع فيه.
والتمكين استجابةٌ حتميّةٌ لفلسفة الإدارة المعتمدة في جوهرها على الإيمان بقدرات الشباب والذي يعكس نجاح التمكين في أيّ مؤسّسة هو وجود أفرادٍ يتمتّعون بالقناعة الكاملة بما يمتلكون من مهاراتٍ وخبراتٍ وقدراتٍ لتحمّل المزيد من مسؤوليّات العمل، إلى جانب ثقتهم بجديّة الإدارة في تطبيق التمكين، ومن الأسباب التي تدفع إلى تبنّي مدخل التمكين:
الحاجة إلى الاستغلال الأمثل لجميع الموارد المتاحة خاصّةً الموارد البشريّة، وللحفاظ على تطوير المنافسة، وكذلك أهميّة سرعة اتخاذ القرارات وتبنّي أفكارٍ مبتكرة وإطلاق قدرات القادة الإبداعيّة والخلّاقة، وتوفير المزيد من الرضا الوظيفي والتحفيز والانتماء، والتخلّي عن الطرق التقليديّة للاتصال بالمؤسّسة، والحد من تكاليف التشغيل بالتقليل من عدد المستويات الإداريّة غير الضروريّة، وإعطاء الأفراد مسؤوليّةً أكبر، وتمكينهم من اكتساب إحساس أكبر بالإنجاز في عملهم، وحاجة المؤسّسة إلى أن تكون أكثر استجابةً للسوق؛ فينصبُّ اهتمام الإدارة العليا على القضايا الاستراتيجيّة. (زينب، 2018)
ولاستحداث قوّة عملٍ لديها قدرةٌ على إنتاج خدماتٍ وسلعٍ تَفُوقُ توقّعات المستهلك الداخلي والخارجي وكلّما تعزّزت عمليّة التمكين فإنّها تصل إلى درجةٍ أكبر من ولاء وانتماء العاملين بالمؤسّسة، فالقائد الذي يشعر بالتمكين وحريّة التصرّف في العمل يعلم بأنَّ هذه الحريّة جزءٌ من علاقةٍ إيجابيّةٍ وصحيّةٍ بين الإدارة والعاملين، بحيث يكرّس كلُ عضوٍ طاقته وإمكانيّاته لخدماتها والتضحية من أجل بقائها ونجاحها وازدهارها، وزيادة ولاء العاملين للمؤسّسة. (زينب، 2018).
ثمّة أنواعٌ ومستوياتٌ وأساليبُ لتمكين القادة وهي:
تمكين القادة: يكمن في قدرة الفرد على إبداء رأيه وتوضيح وجهة نظره في الأعمال والنشاطات التي يقوم بها، وتُعدُّ المشاركة في اتخاذ القرار النقطة الأساسيّة لعمليّة التمكين.
التمكين السلوكي: ويُشير إلى قدرة الفرد على العمل في مجموعةٍ من أجل حلِّ المشكلات وتحديدها، وتجميع البيانات عن مشكلات العمل ومقترحات حلّها، ومن ثمَّ تعليم الفرد مهاراتٍ جديدةً يمكن أن تُستخدم في أداء العمل.
تمكين العمل المتعلّق بالنتائج: ويشمل قدرة الفرد على تحديد أسباب المشكلات وحلّها، وكذلك قدرته على إجراء التحسين والتغيير في طرق أداء العمل بالشكل الذي يؤدّي إلى زيادة فعاليّة المؤسّسة. (زينب، 2018)
ولابدّ من تصميم هذه البرامج لتطوير الشباب والشابّات معرفيًّا بتولّي مهامّ قياديّة في أعمالهم، وإعطائهم فرصًا لاكتشاف وتعلّم أدوات ومهارات القيادة الفعّالة والتأثير على الآخرين، وتشجيع المبادرات لإعداد القادة عن طريق تحفيزهم وإشراكهم في عمليّات صنع القرار، وتوفير برامجَ تدريبيّةٍ فريدة لإعداد كوادرَ بشريّةٍ قياديّةٍ قادرةٍ على مواجهة التحدّيات الجديدة، وهدف ذلك هو تمكين هذه الكوادر بشكل يسمح للطاقة المتجدّدة بالعبور في المؤسّسات، وتدعيم القدرة التنافسيّة لها بدرجةٍ عالية وكلُّ ذلك يسمح بسلاسة عبور الجودة وتميّز الأداء في طريقٍ ميسّر، بما يحقّق النجاح والتميّز في إدارة فرق العمل وتخطّي الصعوبات والتحدّيات التي تواجه القادة، فلابد من اعتماد منهجيّة التدريب على الاختيار ثم التقييم والتأهيل ثم التكليف وتنتهي بالتمكين وقياس الأثر.
ونلحظ ذلك على أثر إعداد قادة المستقبّل في دعم التميّز المؤسسيِّ للمؤسّسات التي يعملون بها، ويُقصد بالتميّز المؤسسيِّ نمطٌ فكريٌّ يعتمد على منهجٍ يرتبط بكيفيّة إنجاز نتائج ملموسةٍ للمنظّمة لتحقيق الموازنة في إشباع احتياجات الأطراف كافّة، سواءً من أصحاب المصلحة أو المجتمع ككل، في إطار ثقافةٍ من التعلّم والإبداع والتحسين المستمر. (جمعة،2018)
وتجمع عمليّة تمكين القادة الشباب بين ثلاثة جوانب: الجانب العلمي، الذي يتعلّق بزيادة المعارف والمعلومات النظريّة، والجانب العمليّ، الذي يتصل باكتساب المهارات وطرق العمل، والجانب النّفسي، الذي يتمثّل في تهذيب السلوك في مجال العمل بالإضافة إلى تنمية القدرة على مواجهة المصاعب وتحليل المشكلات والمفاضلة بين الحلول المقترحة لها.
ويمكن التوصّل إلى أهمّ الأسباب التي تدعو المؤسّسات لضرورة الاهتمام بتمكين القادة فيما يلي: أن تحتفظ المنظّمات برأس المال البشريِّ لأنه يُشكّل التميّز والقوّة لها من خلال القدرة على الابتكار والإبداع المتجدّد الذي يحافظ على مستوى التفوّق للمنظّمة، لذلك يستلزم الأمر من المعنيين توفير المناخ الملائم للقيادات الشابّة لإطلاق طاقتهم وقدراتهم وتشجيعهم على الابتعاد عن النمطيّة ودفعهم إلى الخوض في أعمال تتّسِمُ بمجازفةٍ عالية، وتسعى المؤسّسات إلى عدم التفريط برأس مالها الفكريِّ لأنّه يمثّل ثروةً كبيرةً لها ويُسْهِمُ في زيادة قيمتها السوقيّة من خلاله، كما وأنَّ المؤسّسات تُنفق مبالغَ كبيرةً من أجل تنمية رأس مالها البشريِّ وصقل معارفه ومهاراته باستمرار؛ ليكون قادرًا على استيعاب التغيّرات السريعة أوّلًا بأوّل، فإنَّ ذلك يضمن للمؤسّسات المحافظةَ على معارف وخبرات ومهارات رأس مالها الفكري باستمرار لأنها تعمل على المحافظة عليه فهو سلاحها في إدامة بقائها في عالم الأعمال. (جمعة، 2018)
وكمثالٍ على ذلك؛ فإنَّ التمكين القياديَّ للمرأة وتفعيلَ دورها في كافّة الأنشطة والمجالات الذي حصلت عليه الأستاذة: أضواء عبد الرحمن العريفي وكيل وزارة الرياضة للتخطيط الاستراتيجي والاستثمار وهي تستحقُّ هذا المكانة، بِشغف الشباب السعودي المتمكن في عالم التنافس الرياضي الذي يليق بها وبتمكينها.
أقترح ونحن اليوم في السعوديّة المتجدّدة بضرورة أن تكثّف الوزارات والمؤسّسات البرامج للقادة الشباب حول تطوير مهاراتهم وتمكينهم، وأن يتبنّى الرؤساء تنمية القدرات، ولذا فإنَّ امتلاك القادة للمعرفة والمهارات عاملان أساسيّان في مجال تطبيق استراتيجية التمكين وضمان نجاحها، ومن ذلك نقل خبرة الإداريين المتمرّسين عبر استعمال المعلومات حول أداء المنظّمة واستخدام الحوار بين فرق العمل، حيث يجب أن تصل المعلومات إليهم بالشكل المباشر وفي الوقت المناسب لجعل القادة أكثر فهمًا بأسلوب اتخاذ القرارات، وأن تُتاح للقادة الصلاحيات الكافية للعمل باستقلاليّةٍ وثقةٍ، وتحميلهم المسؤوليّة عن النتائج، وصولًا إلى تحفيز القادة الشباب وتمكينهم لكي يصبحوا أكثر طموحًا في قيادة المؤسّسات عن طريق إتاحة المزيد من فرص التقدّم والتطوّر في أعمالهم، وليكونوا قادةً فاعلين مؤثّرين وقادرين على إحداث التغيير الإيجابي
المراجع: